أبو نصر الفارابي

98

الجمع بين رأيي الحكيمين

النفس ومصيرها وقد ظنّ أكثر الناس ، من هذه الأقاويل ، ظنونا مجاوزة عن الحد . اما القائلون ببقاء النفس بعد مفارقتها البدن ، فقد أفرطوا في تأويل هذه الأقاويل ، وحرّفوها عن سننها ، وأحسنوا الظنّ بها ان اجروها مجرى البراهين ؛ ولم يعلموا ان أفلاطون انما يحكي هذا عن سقراط على سبيل من يروم تصحيح امر خفيّ بعلامات ودلائل . والقياس بعلامات لا يكون برهانا ، كما علّمناه الحكيم أرسطو في « انولوطيقا الأولى والثانية » . - واما المدافعون « 154 » لها ، فقد أفرطوا أيضا في التشنيع ، وزعموا ان أرسطو مخالف له في هذا الرأي ، واغفلوا قوله في اوّل كتاب « البرهان » حيث ابتدأ فقال : كل تعليم وكل تعلّم فإنما يكون عن معرفة متقدمة الوجود . ثم قال بعد قليل : وقد يتعلم الانسان بعض الأشياء وقد كان علمه من قبل قديما ، وبعض الأشياء « 155 » تعلّمها يحصل من حيث تعلّمها معا . مثال ذلك : جميع الأشياء الموجودة تحت الأشياء الكلية . فليت شعري ، هل يغادر معنى هذا القول ما قاله أفلاطون شيئا ، سوى ان العقل المستقيم والرأي السديد والميل إلى الحق والانصاف معدوم في الأكثرين من الناس ! فمن تأمّل حصول المقدّمات الأولى « 156 » وحال التعلّم تأمّلا شافيا ، علم أنه لا يوجد بين رأيي الحكيمين ، في هذا المعنى ، خلاف ولا تباين ولا مخالفة . ونحن نومئ إلى طرف منه يسير بمقدار ما يتبين به هذا المعنى ليزول الشك الواقع فيه . رأي الفارابي في المعرفة وفي النفس فنقول : من البيّن الظاهر أن للطفل نفسا عالمة بالقوة ، ولها الحواس آلات الادراك . وادراك الحواس انما يكون للجزئيات ؛ وعن الجزئيات تحصل الكليات ، والكليات هي التجارب على الحقيقة . غير أن من التجارب ما يحصل عن قصد . وقد جرت العادة ، بين الجمهور ، بان يسمّى التي تحصل من الكليات عن قصد متقدّمة التجارب . فاما التي تحصل من الكليات للانسان لا عن قصد ، فاما ان لا يوجد لها اسم عند الجمهور ، لأنهم لا يعنونه « 157 » ؛ واما ان يوجد لها اسم عند العلماء ، فيسمّونها أوائل المعارف ومبادئ البرهان « 158 » وما أشبهها من الأسماء .

--> ( 154 ) « ا » الدافعون ؛ « ب » الدابقون . ( 155 ) « ا » تعلمها ؛ « ب » تعليمهم . ( 156 ) « ا » الأولى ؛ « ب » الأول . ( 157 ) « ا » يعنونه ؛ « ب » يعنوا به . ( 158 ) « ا » البرهان ؛ « ب » البراهين .